مضرج بالامكنة

مضرّج بالأمكنة

سليم البيك

ألم تقرأ “عائد إلى حيفا”؟!

لا, ليس سؤالاً عادياً, أو على الأقل بالنسبة لي, أو لم يعد كذلك. سؤال أربكني و أرعشني و جَلَدني فذكّرني بأني لاجئ, بأني لا أعيش في تلك البلاد.

بأني لم أشرب من مائها أو آكل من خبزها أو أقشر برتقالها بأصابعي العشرة هذه. بأني لم أغتسل بغبارها و لم أتعطر برذاذ مطرها قبل موعد انهماره المهتاج اشتياقاً للأرض هناك. بأن ركبتي لم تُجرح حين تعثرت على أرضها, بأني لم أتعثر أصلاً على تلك الأرض و لم أطأها حتى. بأني مهما فعلت و صرخت و مشيت و بكيت و حلمت و كتبت سأظل غريباً عن البيوت و الحارات القديمة و عن أناسي الساكنين هناك. أخاف يوماً من نظرات الحجارة إليّ حين ترى بغتةً غريباً أقبل فجأة يقبّل جوانبها بنهم فقيرٍ محروم. سؤال ذكرني بأني مهما عشقت من نسائها سأبقى لاجئاً, يمضي أكثر لياليه شبقاً و سفكاً للدموع في الكتابة عن حارسات عكا و حيفا و ما حولهما. رُميتُ بالسؤال فجاء كحجر فجّ روحي, فنزفت أمكنة لم تكن الحليصة بينها . كنت أتكلم مع إحدى الحارسات هناك عبر الجهاز المحايد و الشبكة اللئيمة. كانت تنوي زيارة الحليصة, المكان الذي مسّ فيّ فلسطينيتي يوماً, و الذي, ربما, أزوره قبل بلدتي ترشيحا بسبب سؤالها ذاك. سأحج إليها حتى تحفظ الحليصة شكلي و رائحتي و إيقاع خطواتي علّي أكفّر عن بعض مما ارتكبت في حقها حين مررت عليها أثناء قراءتي الأولى لرواية كنفاني و كأني أي شيء, أي شيء أي قارئ غير فلسطيني, و كأنها أي شيء, أي مكان غير فلسطيني.

سألتها عن مكان الحليصة فوبّختني بكلمات مبللة بأنوثة عكيّة: سليم, ما قرأت عائد إلى حيفا؟ كنت قرأت الرواية قبل السؤال و لكن, لست هي, لم تعتد عليّ الأماكن هناك و لم أعتد عليها, فأنا أثناء قراءتي لم أردد فرِحاً كطفل وجد لعبته: هذه الحليصة, حيث كنت قبل شهرين أو أكثر قليلاً. هذه الحليصة, حيث يسكن صديق. هذه الحليصة, حيث أعيش… بل سألت كالتائه الخائف عن مكان الحليصة و تلقيت ما أستحق.

بعد السؤال قرأت الرواية مرة أخرى أبحث فيها عن الحليصة. وجدتها, و لكن هنا, و فقط هنا, بين الصفحات و ليس حولي أو حول ذاكرتي, عرفت أنها تحتضن بيت “سعيد س” الذي هُجّر منها بقوة القدر الذي وصل قمة احترافه في سحق العدالة باحتقار عام 48.

وجدتها و لكني لم أجد أحداً أعرفه يسكنها, و لم أتذكر مكاناً فيها كنت زرته, و لم أتذكر بأني وطأتها يوماً أو أني تعثرت على ترابها النضر. بلى, تذكرت شيئاً وقتها, تذكرت بأني واحد من ملايين اللاجئين, و أيضاً بأن القدر لم يتعب بعد. وادي النسناس, شارع الملك فيصل, ساحة الحناطير, الهادار, وادي رشميا, البرج, المدينة القديمة. كل الأماكن تقتلني, تجهلني, كلها ذُكرت في رواية غسان و كلها كانت كبعضبها, كغيرها من الأماكن العابرة, أماكن لم أكن أعرف غير أنها في فلسطين و في أحسن الأحوال, في حيفا. قالت لي إحداهن مرة بأنها إن أرادت أن تعرف شيئاً عن بلدتي ترشيحا فسأكون أول من تسأل. فُجّت روحي ثانية, و ما عاد الجرح يلتئم. قلت لها و الدم يقطر من بين الكلمات و الأمكنة: إن وجدتُني فجأة في إحدى حاراتها أضيع. خيتا, لم أعرف ترشيحا و لم تعرفني. أخافه حباً عذرياً, يدميني ببراءتها. ترعبني فكرة أن أكون غريباً عنها, أن ترفض قبلاتي, أني غريب, و أنا من يحبها حب الموغل بإيمانه لجنة لم يرها و لم تره, و لا يدري إن كانا سيلتقيان أم أنه كان إيماناً فاحشاً. أخاف أن أبقى غريباً منفياً بعد عودتي. احكوا لها, لكل الأمكنة في فلسطين..

أنزف دمعاً و حبراً كل سطر و كل كلمة أيكفّر هذا عما ارتكبت؟ اسألوها.. أتستقبلني يوماً؟ احكوا لها أن الجغرافيا لا تكفي لصناعة الغرباء في حوار آخر مع ذات الحارسة, أخبرتها بأني أكتب حالياً عن الحليصة. فاستغربت, أو ظننته استغراباً حيت سألت: انت؟ فقلت محاولاً التبرير بجرأة هجومية مجردة من أسبابها:

آ, أنا, ليش مستغربة؟

فسألتني ببراءة رشيقة:

شو عمتكتب عنها..؟

لم أجب

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: